محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ قال : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم غدا يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال يوم الأحزاب . وأولى هذين القولين بالصواب ، قول من قال : عنى بذلك : يوم أحد ؛ لأن الله عز وجل يقول في الآية التي بعدها : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا ولا خلاف بين أهل التأويل أنه عنى بالطائفتين بنو سلمة وبنو حارثة . ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد دون يوم الأحزاب . فإن قال لنا قائل : وكيف يكون ذلك يوم أحد ورسول الله إنما راح إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعد ما صلى الله عليه وسلم الجمعة في أهله بالمدينة بالناس ، كالذي : حدثكم ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم راح حين صلى الجمعة إلى أحد ، دخل فلبس لأمته ، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج عليهم وقال : " ما ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم إذ لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل " ؟ . قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان خروجه للقوم كان رواحا فلم يكن تبوئته للمؤمنين مقاعدهم للقتال عند خروجه ، بل كان ذلك قبل خروجه لقتال عدوه ؛ وذلك أن المشركين نزلوا منزلهم من أحد فيما بلغنا يوم الأربعاء ، فأقاموا به ذلك اليوم ويوم الخميس ويوم الجمعة ، حتى راح رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم يوم الجمعة بعد ما صلى بأصحابه الجمعة ، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني محمد ابن مسلم الزهري ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن وغيرهم . فإن قال : وكيف كانت تبوئته المؤمنين مقاعد للقتال غدوا قبل خروجه ، وقد علمت أن التبوئة . اتخاذ الموضع ؟ قيل : كانت تبوئته إياهم ذلك قبل مناهضته عدوه عند مشورته على أصحابه بالرأي الذي رآه لهم بيوم أو يومين . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع بنزول المشركين من قريش وأتباعها أحدا ، قال فيما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي لأصحابه : " أشيروا علي ما أصنع ؟ " فقالوا : يا رسول الله أخرج إلى هذه الأكلب . فقالت الأنصار : يا رسول الله ما غلبنا عدو لنا أتانا في ديارنا ، فكيف وأنت فينا ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ابن سلول ، ولم يدعه قط قبلها ، فاستشاره فقال : يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة ، فيقاتلوا في الأزقة ، فأتاه النعمان بن مالك الأنصاري ، فقال : يا رسول الله ، لا تحرمني الجنة ، فوالذي بعثك بالحق لأدخلن الجنة فقال له : " بم ؟ " قال : بأني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك رسول الله ، وأني لا أفر من الزحف . قال : " صدقت ؟ " فقتل يومئذ . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بدرعه فلبسها ، فلما رأوه وقد لبس السلاح ، ندموا ، وقالوا : بئسما صنعنا ، نشير على رسول الله صلى والوحي يأتيه فقاموا واعتذروا إليه ، وقالوا : اصنع ما رأيت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : ثني ابن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ، وغيرهم من علمائنا قالوا : لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بالمشركين قد نزلوا منزلهم من أحد ، قال رسول الله صلى